سعيد حوي

4162

الأساس في التفسير

ويربط بعد ذلك بين الحق الذي في تلك الدعوات والحق الذي في خلق السماوات والأرض ؛ ثم يوحّد بين تلك الدعوات جميعا ودعوة محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - فكلها من عند اللّه . وكلها دعوة واحدة إلى اللّه . ومن ثمّ يمضي في الحديث عن الكتاب الأخير وعن استقبال المشركين له ؛ وهم يطلبون الخوارق غير مكتفين بهذا الكتاب وما فيه من رحمة وذكرى لقوم يؤمنون . ويستعجلون بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين . ويتناقضون في منطقهم : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ! . وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ! . فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . ولكنهم مع هذا كله يشركون باللّه ويفتنون المؤمنين . وفي ثنايا هذا الجدل يدعو المؤمنين إلى الهجرة فرارا بدينهم من الفتنة ، غير خائفين من الموت ، إذ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ . غير خائفين من فوات الرزق : وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ . ويختم السورة بتمجيد المجاهدين في اللّه وطمأنتهم على الهدى وتثبيتهم : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ . فيلتئم الختام مع المطلع وتتضح حكمة السياق في السورة ، وتماسك حلقاتها بين المطلع والختام ، حول محورها الأول وموضوعها الأصيل ) . وقال الألوسي في تقديمه لسورة العنكبوت : ( أخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي تعالى عنهما أنها نزلت بمكة . وأخرج ابن مردويه عن عبد اللّه بن الزبير نحو ذلك ، وروى القول بأنها مكية عن الحسن وجابر وعكرمة . وعن بعضهم أنها آخر ما نزل بمكة . وفي البحر عن الحبر ، وقتادة أنها مدنية . وقال يحيى بن سلام : هي مكية إلا من أولها إلى قوله وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ وذكر ذلك الجلال السيوطي في الإتقان ولم يعزه ، وأنه لما أخرجه ابن جرير في سبب نزولها ثم قال : قلت : ويضم إلى ذلك وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ الآية لما أخرجه ابن أبي حاتم في سبب نزولها وسيأتي إن شاء اللّه تعالى الكلام في ذلك . وهي تسع وستون آية بالإجماع ، كما قال الداني والطبرسي . وذكر الجلال في وجه اتصالها بما قبلها أنه تعالى أخبر في أول السورة السابقة عن فرعون أنه عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ